آقا بن عابد الدربندي
119
خزائن الأحكام
بعد امعان النّظر من ادلّة الاستصحاب وبان كلمة كلّ كلفظ العلم مما له ظهور في الحمل على الشبهة الموضوعيّة وبان التعميم مستلزم للزوم التقييد بما بعد الفحص من الدليل واستعمال جملة من الألفاظ في أكثر من معنى مردود بان القرائن موجودة على الحمل على المعاني الشرعيّة كتحققها مضافة إلى التبادر في كون المراد الحكم بالطهارة في كلّ شيء مط فالحمل على معلوم الطهارة وجعل الخبر بذلك من أدلة الاستصحاب مما لا وجه له وبانّ كلمة كلّ مفيدة للاستغراق فيما يشمله مدخوله نوعا كان أو فردا فيشمل المقامين وبان المراد من العلم هو العلم الشرعي فيشملهما وبان التقييد أولى من التخصيص وبأنه ما استعمل شيء في أكثر من معنى إذ كون الشيء ظاهرا أو نجسا بنفسه أو انه فرد من افراد الطاهر أو النجس من حيثيات الحكم وقيوده لا انهما معنيان مستقلان والمراد من العلم ما هو معتبر عند الشرع بطريق عموم المجاز ثم لا يخفى عليك ان الخبر شامل لما لم يكن بين المشتبهات علم اجمالي وكان الشك ابتدائيا أو مسبوقا بطهارة واما مع العلم الاجمالي أو سبق العلم بالنجاسة فيتحقق الاشكال من حيث إن الخبر مقيد بعدم العلم بالنجاسة والفرض حصول العلم بين المشتبهات ومن أن استصحاب النجاسة يفيد علما شرعيا وفيه انه لا اشكال أصلا لعدم الاعتداد بالعلم الاجمالي وتقدم أدلة الاستصحاب على هذا الخبر ولا يخفى عليك ان كلّ ما ذكر مما يتمشى في الشّبهة الموضوعية الاستنباطية أيضا لرجوعها إلى الحكمية واحتمال انّ ذلك يكون من قبيل المشتبه المحصور نظرا إلى أنه إذا قال المنى نجس ولم يعلم انّه شامل للمذى مثلا أم لا احتمل ان يكون المذي في الواقع نجسا فلا يجرى الأصول احتمال غلط جدّا ووجهه غير خفىّ قطعا ثم لا يخفى عليك ان حجيّة هذا الأصل في الموضوعات الصّرفة مما هو غير المشتبه المحصور مما عليه اتفاق أهل الاسلام فلا حاجة إلى الإعادة والاسهاب وقد قدّمنا حجية بناء على التحقيق في المشتبه المحصور أيضا من غير فرق في ذلك بين عنوان الطهارة والنجاسة وعنوان الحلية والحرمة هذا هو الكلام الاجمالي في الخبيثة من الحكمية والموضوعية واما الكلام في الشبهة الحكمية الحدثية فنقول انه يبنى الأمر بحسب الأصل فيها على أصالة الطهارة وذلك لأصل البراءة المتقدم على الاشتغال في أمثال المقام فلا يعارضه شيء في الصور السّت المشار إليها في صدر المسألة الا الاستصحاب في صورة السّبق بالحدث فيقدّم الاستصحاب ح ولأصالة عدم الحدث والتقريب فيه كالتقريب في الخبث ولقول العلماء في تعريف الحدث بأنه الحالة الحاصلة عند وجود أحد أسبابه فيدل ذلك على أن الحدث مسبّب عن سبب فلو لم يكن الطهارة أصلا في المقام لم يكن الامر كذلك والقول بان الطهارة أيضا مسبّب عن سبب مدفوع بانّهم ذكروا في النية رفع الحدث فعلم أن الطهارة شيء اصلى عرضه عارض فيعود المكلف إلى ما كان عليه من عدم المانع وللاجماع على عدم لزوم الغسل الا بعد أسباب خاصّة فلا ريب ان الشخص قبل عروضها متطهّر فكذا الحدث الأصغر غاية الأمر ان الانسان لا ينفك عادة عن عروض أحد الاحداث الصغريات فمتى لم يعلم كون الصادر حدثا حكم باصالة الطهارة وللأدلة الدالة على كون الوضوء والغسل مقيدين بأسباب خاصّة والتقريب ظ ولاطلاق الأدلة الدالة على جواز الصّلاة ونحوها فالمشكوك فيه داخل تحت الاطلاق ولأنه يفرض الشبهة بعد طهارة متيقنة فلا ريب انه يحكم ح بالطهارة فكذا فيما وقع الشك ابتداء لعدم القول بالفصل وبعبارة أخرى انّ ما لا يكون ناقضا لا يكون موجبا اجماعا ثم إن الشّبهة الموضوعيّة المستنبطة مما يرجع إلى الحكمية كما مر اليه الإشارة في الخبث واما الكلام في الشبهة الموضوعية الصّرفة الحدثية فنقول انه يحكم هنا أيضا باصالة الطهارة لما مر اليه الإشارة من الأدلة مضافة إلى الأولوية وكذا فيما قطع بخروج المنى وشك في كونه من زيد أو عمرو واما في صورة تيقن الطهارة والحدث والشك في المتاخّر منهما فيتصور فيها شقوق واحكام مما لا يخفى على من اخذ مجامع كلماتنا في جملة من المباحث فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لم يخرج في باب الخبث عن تحت هذا الأصل الّا النجاسات المشهورة والمرجع في مقام الشك فيها أيضا هو هذا الأصل الا في باب الدماء على ما عرفت الكلام فيه هذا واما ما خرج عنه في باب الحدث هو دم النساء فان اصالة الحيضيّة والنفاسيّة مما فيه يرد على أصالة الطهارة ورود الأصل الثانوي على الأصل الاوّلى والفرق بين هذين الأصلين من اصالة النجاسة في الدّماء بناء على ثبوتها والتعويل عليها ولو في الشبهة الحكمية خاصّة ومن اصالة الحيضيّة والنفاسية في ذم النّساء هو ان الأولى ليست الّا مما على خلاف الأصول بخلاف الأخيرة فانّها كما انها مما على خلافه الأصول من الاستصحاب وأصل البراءة المنحلين إلى أصول عديدة في باب الاحكام المتعلّقة بهن وبعولهن كذا انها مما على وفقه الأصول من أصل البراءة عن لزوم العبادات المشروطة بالطهارة واستصحاب صحّة المزاج واستصحاب عدم العلّة والآفة « 1 » في بيان حكم اصالة الحيضية وقاعدة الامكان ثم لا يخفى عليك ان اصالة الحيضية وقاعدة الامكان فيها قد تكون مما على وفق الأصل ومما على خلافه لا من الوجوه التي أشرنا إليها خاصّة بل من وجه آخر أيضا وذلك كما فيمن شكّ في بلوغها أو من شك في ياسها فالقاعدة في الأولى على خلاف الأصل كما انها في الثانية على وفقه وكيف كان فانّ هذه القاعدة مما قد دلت عليه الأخبار من وجوه عديدة فان ثمراتها وفيرة نظرا إلى أن مواردها ومجاريها مما يبلغ الألوف فمن أراد ان يطّلع في ذلك على مباحث شريفة وفروع عجيبة وشيقة فليراجع إلى كتابنا خزائن الاحكام شرح الدرة الغرويّة ثم إن من القواعد التي تخالف الأصول ولو أصلا واحدا قاعدة صحّة كلّ شرط الا ما حرم حلالا أو حلل حراما وذلك مستفاد من قوله ع المسلمون عند شروطهم الا كلّ شرط خالف كتاب اللّه أو أحل حراما أو حرم حلالا والتقريب بأنه لا يراد مما أحل حراما وحرّم حلالا ما يعم العارضى الذي يهدمه الشّرط بل ما كان حراما في نفسه حرمته لازمة وما كان حلالا كذلك ولولا ذلك لكانت جميع الشروط مما أحلت حراما أو حرمت حلالا فلا يبقى للاشتراط
--> ( 1 ) نظرا إلى أن غير دم الحيض والنفاس من عروض العلة والآفة